حديث الممثل الخاص لرئيس الاتحاد الروسي إلى الشرق الأوسط وبلدان أفريقيا، نائب وزير الخارجية الروسية ميخائيل بوغدانوف، لصحيفة الأهرام المصرية، الذي نشر في 9 يونيو/ حزيران 2020

سؤال: كيف تقيم وزارة الخارجية الروسية التصريحات الأخيرة لبنيامين نتنياهو بخصوص نية إسرائيل ضم الأراضي الفلسطينية؟ ما هو رد فعل موسكو على هذه التصريحات؟

جواب: لا يمكن استبعاد ان تبدأ الحكومة الإسرائيلية الائتلافية الجديدة، في المستقبل القريب، بخطوات عملية لتنفيذ هذه التصريحات، أي نشر السيادة الإسرائيلية على جزء من الضفة الغربية.

نحن نعتقد أن مثل هذا التطور سيكون خطيرا للغاية. ونتضامن في هذا الصدد مع التقييمات والحذر، التي انعكست في القرارات الأخيرة لجامعة الدول العربية بشأن هذه القضية.

نحن نعتقد أن ضم إسرائيل لجزء من الأراضي الفلسطينية، لن يضع فحسب حداً لآفاق حل الدولتين، بل من المحتمل أيضًا أن يثير جولة جديدة من العنف في فلسطين، وسيزيد تفاقم سخط "الشارع" العربي.

ما يزال الموقف الروسي المبدئي المؤيد لحل الدولتين للمشكلة الفلسطينية على أساس الإطار القانوني الدولي المعترف به عالميًا، من دون تغيير. وفي الوقت نفسه، من الضروري التوصل، وفي أسرع وقت، لاستئناف المفاوضات المباشرة بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني تحت رعاية الأمم المتحدة، لحل جميع قضايا الوضع النهائي، والتوصل إلى اتفاق سلام شامل، قائم على أساس قرارات الأمم المتحدة، ومبادرة السلام العربية.

نحن مقتنعين بأن المقدمة الهامة لبدء عملية سلام كاملة، هي استعادة الوحدة الفلسطينية على القاعدة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية. أود أن أؤكد بوجه خاص تلك الجهود الهادفة التي تبذلها القيادة المصرية في هذا الاتجاه.

سؤال: ننتقل إلى الوضع في ليبيا. ماذا يمكنكم أن تقولوا عن الوضع هناك في هذه المرحلة؟ وما مدى صحة المعلومات التي قدمتها مؤخرًا مصادر وزارة الخارجية الأمريكية بصدد مشاركة التشكيلات المسلحة لشركة "فاغنر" بمبادرة من موسكو، في المواجهة إلى جانب الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر؟ وما هي آفاق الجهود المبذولة الآن للتغلب على الأزمة الحالية؟ كيف تقيمون دور مصر في هذه القضية؟

جواب: إن الجزء الأكبر من المعلومات التي نشرتها بعض المصادر الأجنبية، بما في ذلك في وزارة الخارجية الأمريكية، بصدد وجود مستخدمي الشركة العسكرية الخاصة "فاغنر" في ليبيا، ومشاركتهم في الأعمال القتالية إلى جانب الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، مبنية على بيانات مزورة، تهدف إلى تشويه سمعة سياسة روسيا على المسار الليبي. وتستند مثل هذه الادعاءات غالبا، على مصادر ذات طبيعة مشكوك فيها لها مصلحة مباشرة في دعم خصوم خليفة حفتر. ومن المستحيل إثبات صحة طائفة من "الحقائق". إن العديد من المعلومات، لا سيما ما يتعلق بالمواطنين الروس المذكورين، ببساطة لا أساس لها من الصحة. إن الأشخاص الذين يُزعم أنهم يقاتلون في ليبيا، لم يسافروا، في الواقع خارج بلادنا. والجدير بالذكر إن القوائم استُنسِخت من قاعدة بيانات "صانع السلام" الأوكرانية البغيضة.

وترتكب بشأن البضائع ذات الأغراض العسكرية، أخطاء كثيرة أو يجري تزييفها بشكل متعمد، ولا سيما تصور المُعدات التي كانت تعمل في ظل الظروف الليبية منذ فترة طويلة، على أنها إمدادات روسية حديثة.
إن قصة المسلحين السوريين الذين يتم نقلهم إلى غرب ليبيا "لمساعدة" حكومة الوفاق الوطني، تتطلب اهتماما خاصا. في المنشورات المذكورة ، يتم "تحويل" هؤلاء المرتزقة المرتبطين بالمنظمات الإرهابية، إلى مقاتلين في الجيش الوطني الليبي.

للأسف، تم تعليق تنفيذ قرارات مؤتمر برلين لأجل غير مُسمى، بسبب وباء فيروس كورنا. من المشكوك فيه ان تتمكن المحاولات المبذولة لعقد مؤتمر متعدد الأطراف، "عن بعد"، من تقديم مساعدة ملموسة. إن أسوأ شيء هو تجميد المفاوضات بين الليبيين أنفسهم على جميع المسارات - العسكرية والسياسية والاقتصادية. في هذا الصدد، أعتقد أنه من الضروري أن يتم في أقرب وقت ممكن تحديد ممثل خاص جديد للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، بدلاً من اللبناني المستقيل غسان سلامه.

إن مصر هي أحد شركائنا وحلفائنا الرئيسيين في سياق المساعدة على التسوية الليبية. لقد نسقنا بشكل وثيق المقاربات مع شركائنا المصريين بشان هذه الموضوع في مرحلة التحضير وعقد مؤتمر برلين. ونحافظ على اتصالات منتظمة على أعلى مستوى، بشأن القضايا الليبية.

سؤال: فيما يتعلق بالعلاقات الروسية ـ المصرية ، كيف تبدو لكم في المرحلة الحالية؟ ما هو وضع تنفيذ مشروع محطة "الضبعة " الكهروذرية، واستئناف السفرالجوي والسياحة الروسية؟ كيف أثر ظهور التعقيدات الجديدة المرتبطة بوباء فيروس كورونا على مجالات التعاون هذه.

جواب: العلاقات الروسية ـ المصرية ذات طبيعة استراتيجية، وتستمر اليوم في التطور بصورة ديناميكة، على الرغم من الوضع المتعلق بوباء فيروس كورونا. ويتم الحفاظ على حوار سياسي مكثف بين بلدينا، وقد تم إقامة اتصالات وثيقة بين مختلف الإدارات. وانعقدت في أكتوبر من العام الماضي، في سوتشي، تحت الرئاسة المشتركة لرئيس الاتحاد الروسي فلاديمير بوتين ورئيس جمهورية مصر العربية عبد الفتاح السيسي، قمة روسية ـ إفريقية، الأولى من نوعها في التاريخ. وتتفاعل بلدانا بنشاط داخل الأمم المتحدة وفي المنظمات الدولية الأخرى.

أن مصر تعتبر أكبر شريك تجاري واقتصادي لروسيا في العالم العربي وفي القارة الأفريقية. يكفي أن نقول أن التبادل التجاري الثنائي في عام 2019 بلغ 6.2 مليار دولار أمريكي، أو ما يقرب من ثلث إجمالي حجم التجارة الروسية ـ الإفريقية. ويتقدم بنجاح تنفيذ المشاريع المشتركة الكبيرة في جمهورية مصر العربية. والتي يعد واحد من أكبرها في مصر بناء محطة "الضبعة" لتوليد الطاقة الكهربائية. حتى الآن، تشكلت لدينا كافة القاعدة التنظيميةـ القانونية اللازمة لهذا المشروع، ووفقًا للجدول الزمني، يجري العمل لتصميم المحطة، وإعداد الموقع لبناء محطة الطاقة النووية. 

في روسيا مهتمون بصدق باستئناف مع مصر الرحلات الجوية بالكامل، وتكثيف العلاقات السياحية على هذا الأساس، في اقرب وقت ممكن. وقبل مأساة الطائرة الروسية فوق سيناء في عام 2015 ، كان ما يقرب من 3 ملايين روسي سنويا يستجمون في المنتجعات المصرية.

قام الطرفان في السنوات الأخيرة، بعمل كبير للتحقيق في أسباب الكارثة، ورفع مستوى أمن الرحلات الجوية. وللأسف، أحدث الوباء بعض التعديلات على خططنا. ومع ذلك فأنا واثق بأننا سوف نصل حتمًا إلى استعادة رحلات طيران( (الشارتر) إلى مدن المنتجعات المصرية.

نحن نقدر تقديرا عاليا المستوى الحالي للتعاون متعدد الأوجه الروسي ـ المصري ونهتم بتعزيزه اللاحق.

سؤال: ما مدى إمكانية نقل الفعاليات والاحتفالات المرتبطة بعام التعاون الإنساني بين روسيا ومصر من 2020 إلى 2021؟

جواب: كما تعلمون، تم إعلان 2020 عام التعاون الإنساني بين روسيا ومصر. ولكن ، في ضوء انتشار عدوى فيروس كورونا الجديد، تم التوصل إلى اتفاق مع الجانب المصري لتأجيل الفعاليات المخطط لها في إطار العام حتى الربع الرابع من هذا العام مع تمديده حتى عام 2021.

سؤال: كيف تقيمون محاولات بعض الدوائر الغربية (وخاصة الأمريكية) لإعادة كتابة التاريخ وتشويه دور الاتحاد السوفييتي والشعب السوفييتي في الانتصار على الفاشية؟

الجواب: إن المقاومة الثابتة لمظاهر النازية الجديدة والقومية العدوانية ورهاب الأجانب، فضلاً عن محاولات مراجعة نتائج الحرب العالمية الثانية، هي إحدى المهام ذات الأولوية للسياسة الخارجية لروسيا.

للأسف، إن الاتجاهات الحالية في إعادة التفكير في التاريخ تبدو مقلقة. ليست هذه هي السنة الأولى التي شهدنا فيها "العدوان التاريخي" الوقح الذي أطلقته دوائر معينة في الخارج. يتم ذلك بلا شك لأغراض سياسية وانتهازية على شكل العديد من الحملات لإعادة كتابة التاريخ، وتشويه تحركات اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية والجيش الأحمر عشية الحرب العالمية الثانية، وخلال الحرب وبعد انتهائها. إن الحرب التي تم إطلاقها في بعض البلدان ضد التماثيل والنُصب التذكارية، التي أقيمت سابقًا تكريمًا للمقاتلين ضد النازية والفاشية، تبدو وقحة بشكل خاص.

وفي الوقت نفسه، و"كبديل" تُقام في عدد من الدول ، النُصب التذكارية تكريما لأعوان النازيين المحليين. إن مثل هذه المحاولات هي تجديف سافر بالعمل البطولي لأولئك الذين قاتلوا في صفوف القوات المسلحة للدول المشاركة في التحالف المناهض لهتلر.

نحن مقتنعين بأن مهمة جميع البلدان كورثة للنصر العظيم، هي الحفاظ على الحقيقة حول أحداث ذلك الوقت على مسارح الحرب الأوروبية والآسيوية والأفريقية ، واحترام ذكرى أولئك الذين ضحوا بحياتهم من أجل انتصار مُثل الإنسانية والبشرية. وهذا واجبنا تجاه الأجيال المقبلة، التي وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، التزمنا " بإنقاذها من ويلات الحرب".

في إطار جهودنا داخل الأمم المتحدة لمكافحة تمجيد النازية وتشويه التاريخ ، تقدم روسيا سنويا إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا بعنوان "مكافحة تمجيد النازية والنازية الجديدة والممارسات الأخرى التي تساهم في تصعيد الأشكال الحديثة للعنصرية والتمييز العنصري ورهاب الأجانب والتعصب المرتبط بذلكم ".

وتدين هذه الوثيقة، على وجه الخصوص، المحاولات الجارية لتبرير وتمجيد المشاركين في الحركة النازية، بما في ذلك الأعضاء السابقين في " إس إس" و"فافن إس إس"، المنظمات المعترف بها كإجرامية بمقتضى قرار محكمة نورمبرغ ، وتنظم مظاهرات عامة تكريما لهم، وزيادة عدد المقاعد في البرلمانات التي يشغلها ممثلو الأحزاب المتطرفة ذات الطبيعة العنصرية ورهاب الأجانب.
ويشير القرار إلى أن التغاضي عن المنطق الوقح لتمجيد النازية أدى إلى حرب ضد النُصب التي تكرم المقاتلين ضد هذا الشر خلال الحرب العالمية الثانية، في حين في والوقت نفسه أُعلن أولئك الذين قاتلوا ضد التحالف المناهض لهتلر، وتعاونوا مع النازيين وارتكبوا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، أبطالا، وجرت معادلتهم بالمشاركين في حركات التحرر الوطني. ويشير عدد من أحكام هذه الوثيقة بشكل مباشر إلى عدم جواز تدمير التماثيل أو النصب التذكارية للجنود ـ المحررين أو تدنيسها، وهو أمر له أهمية خاصة في عملنا لمواجهة هذه الظواهر في البلدان الأوروبية.

تحظى المبادرة الروسية دائمًا بدعم واسع من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ، مما يؤكد أهمية المشكلات التي تعالجها. مرة أخرى، تم تبني هذا القرار في جلسة العامة للجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 ديسمبر 2019. وبالإضافة إلى روسيا، شارك، في كتابة مشروع القرار، عدد قياسي من الدول - 61. وصوتت 133 دولة دعما لهذه الوثيقة، وامتنع 52 وفدا عن التصويت. وصوتت دولتان فقط ضدها : هما الولايات المتحدة وأوكرانيا. إن هذه النتائج لم تثر الدهشة: فقد كانت هناك محاولات نشطة لإعادة كتابة التاريخ وتشويه سمعة المحاربين المناهضين للفاشية، في العديد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، التي امتنعت عن التصويت، ناهيك عن البلدان التي عارضت الوثيقة.

أود الإشارة إلى أن جهودنا في هذا الاتجاه الهام لمواجهة تزوير التاريخ، لا تقتصر على ذلك. وبالنظر إلى أن الدورة الرابعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة تتزامن مع الذكرى السنوية أل 75 للنصر في الحرب العالمية الثانية، أضافت روسيا، مع عدد من الدول الأعضاء في رابطة الدول المستقلة والصين، بندًا إضافيًا إلى جدول أعمال الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة: "الذكرى السنوية أل 75 لنهاية الحرب العالمية الثانية"، التي توفر فرصة لمناقشة منفصلة في إطار الأمم المتحدة للأهمية العالمية التاريخية للنصر في الحرب العالمية الثانية، ومساهمتها في تشكيل الأمم المتحدة، وكذلك أهمية الحفاظ على تاريخنا المشترك.