خطاب وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف خلال الجزء الرفيع المستوى للدورة الثالثة والأربعين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ، جنيف ، 25 فبراير/ شباط   2020

سيدتي الرئيسة المحترمة 

سيداتي سادتي،

الزملاء،

اليوم، في حين أن الوضع أصبح العالم أكثر تعقيدا، ولم تجر تسوية بؤر التوتر القديمة وتنشأ جديدة، تبرز في المقدمة مهمة تطوير مقاربات متجددة تتجاوب مع روح العصر لضمان تنمية بشرية مستقرة ومستدامة. ومن الواضح أن المستفيد النهائي من كل هذه الجهود ينبغي أن يكون الإنسان بكل احتياجاته وحقوقه. إن روسيا تنطلق باستمرار من الحاجة إلى إيلاء اهتمام متساو لجميع فئات حقوق الإنسان- لا المدنية والسياسية فحسب، بل أيضا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وإلا فإننا لا يمكن حماية مصالح الفئات الضعيفة اجتماعيا – النساء والأطفال والأسر الكبيرة، وكبار السن والمعوقين والعاطلين عن العمل.

للأسف إن النهج الذي تبنته الدول الغربية القائم على استبدال قواعد القانون الدولي المعترف بها ب " بنظام قائم على قواعد" يعيق الأنشطة البناءة المشتركة الرامية إلى ضمان كامل لحقوق الإنسان، وعلى خلفية إبراز التفسير العدواني الليبرالي للحقوق السياسية ، يتم تجاهل الحقوق الاجتماعية ـ الاقتصادية الأساسية. ويستخدم بشكل متزايد في كثير من الأحيان خطاب الاتهام، بما في ذلك في شكل ما يسمى بالقرارات التي تستهدف البلدان، كذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة، و من جانب واحد فرض عقوبات غير مشروعة، غالبا في محاولة لتغيير الحكومات غير المرغوب فيها، التي لا تشارك الغرب "القيم" المشكوك فيها للغاية، والتي اخترعها الغرب من جانب واحد، ويتجاهلون التنوع الثقافي والحضاري للعالم الحديث. وتؤدي هذه الممارسة الخاطئة إلى زيادة المواجهة، وتقلص في نهاية المطاف من قدرة المواطنين على ممارسة حقوقهم القانونية

فالضمانات الموثوقة بالحقوق والحريات ليس لها شيء مشترك مع الكيل بمكيالين. ولا يسع المرء إلا أن يندهش لأن بعض الزملاء الغربيين الذين يتباكون على الديمقراطية يغضون بصرهم عمدا عن القمع الصارخ لحقوق الإنسان الأساسية في أوكرانيا. ان القوانين التي جرى تبنيها هناك " حول ضمان سير العمل في اللغة الأوكرانية باعتبارها لغة الدولة" و" عن التعليم"، والتي قدمت الآن إلى البرلمان الأوكراني "حول وسائل الإعلام" وحول مواجهة التضليل الإعلامي، تكتسب طابعا تميزيا صارخا، وتنتهك حقوق الأقليات القومية الفعلية وبحكم الواقع قد أنشأت رقابة الدولة. وهذه الابتكارات لا تتعارض مع التزامات كييف الدولية فحسب، بل إنها تنتهك دستور أوكرانيا. وعلى الرغم من أن لجنة البندقية أكدت طابعها التمييزي، فإن السلطات الأوكرانية لم تتبنَ ولا تعتزم تبني أي تدابير لتصحيح هذا الوضع. وأرى أن من الأهمية بمكان أن يُقَيّم مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة هذه الحالة غير المقبولة، وأن يطالب من دون كلل، باحترام حقوق جميع الأقليات الوطنية من دون استثناء. وينبغي ألا ننسى أن اتفاقات مينسك، التي وافق عليها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والتي ليس لها بديل، تدعو أيضا إلى ذلك.

وتُلاحظ أيضا مشاكل خطيرة في دول أخرى. في دول البلطيق، أصبح قمع حرية الإعلام، وملاحقة المعارضة و تنتهك حقوق الأقليات القومية، قاعدة، وحتى ظاهرة من دون جنسية، المخزية. وتشعر الأحزاب والحركات والجماعات المتطرفة التي تروج إيديولوجية النازية والتفوق العنصري والتمييز وكره الأجانب، بحرية اكبر.

وندعو زملائنا الغربيين إلى التأثير على من تحت حمايتهم. وردا على ذلك، نسمع إشارات مخزية إلى الاهتمام بحرية التعبير والتجمع السلمي. وفي الواقع، يتبين أن الديمقراطيات الغربية تعطي بذلك الضوء الأخضر لانتشار الإيديولوجية النازية، وامتداح أعوان النازيين، ومواكب المشاعل تحت راية "قوات الحماية الخاصة". وهذه " اللياقة السياسية " تبرر في الواقع إيديولوجية الكراهية للبشر.

ولإشباع المصالح الضيقة تتزايد محاولات إعادة النظر ليس فقط في قرارات محكمة نورمبرغ، ولكن أيضا في عموم نتائج الحرب العالمية الثانية المعترف بها دوليا،. وتكتسب حملة تزوير التاريخ أكثر فأكثر طابعا وقحا. وأوروبا المتحضرة تصمت بخجل، وهي تراقب مشاهد "الحرب" المُشينة على النصب التذكارية تكريما لأولئك الذين دفعوا حياتهم ثمنا لإنقاذ شعوب القارة من الإبادة التامة. ويرافق الصمت أيضا إدامة ذكرى القتلة والمجرمين الذين لهم يد في تجسيد نظرية التفوق العنصري، في الحياة . من الضروري إيقاف عربدة النسيان وفقدان الوعي هذا. وينبغي إعلان النصر في الحرب العالمية الثانية تراثا تاريخيا للبشرية.

ومن دواعي القلق الشديد محاولات استخدام العامل الديني كأداة للألعاب الجيوسياسية. وتتزايد الانقسامات الدينية، ويتزايد التدنيس للمقدسات الدينية في مختلف مناطق العالم. فالمؤمنون ورجال الدين يتعرضون للهجوم والاضطهاد والقتل. وفي عدد من بلدان الشرق الأوسط، انخفض وجود المسيحيين، الذين عاشوا هناك لقرون، انخفاضا حادا، إن لم يكن اختفوا تماما تقريبا. ويجب أن يضع المجتمع الدولي ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة حاجزا أمام المتطرفين الذين يرفعون رؤوسهم. وفي الوقت نفسه، تهيمن الرغبة سواء طواعية أو عن غير قصد، على مواقف بعض زملائنا في تبرير تجاوزات الجماعات المتطرفة والإرهابية، وإلا فمن الصعب أن أشرح النصائح حول إمكانية إبرام اتفاقات هدنة مع قطاع الطرق، كما هو الحال عند مناقشة الوضع في إدلب. هذا ليس مصدر قلق على حقوق الإنسان، ولكنه استسلام للإرهابيين، أو حتى تشجيع أنشطتهم – في انتهاك صارخ للاتفاقيات العالمية و القرارات الكثير لمجلس الأمن الدولي.

يرتبط تفشي الإرهاب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نتيجة عدوان الناتو على ليبيا عام 2011 ، بشكل مباشر بأزمة الهجرة التي لا سابق لها. ومن الضروري، من أجل حلها على المدى الطويل، القضاء على الأسباب الجذرية التي تجبر الناس على مغادرة وطنهم. وتأتي في المقدمة مهمة استقرار الأوضاع في دول المنطقة من خلال تعزيز الحوار الوطني الشامل، والأهم من ذلك، ووقف التدخل غير القانوني في شؤونها الداخلية و احترام مبادئ ميثاق الأمم المتحدة. هذا النهج بالذات، وليس محاولة استخدام شعارات حقوق الإنسان في الألعاب الجيوسياسية، سيسمح إيجاد حل مستدام على المدى الطويل لمشاكل الناس العاديين ، وضمان حقوقهم، بدءا من الشيء الأكثر أهمية – الحق في الحياة.

السيدة الرئيسة المحترمة،

إن التحديات والتهديدات الحالية ذات طبيعة عالمية وعابرة للحدود. وللتغلب عليها بنجاح، من المهم تعزيز المؤسسات المتعددة الأطراف القائمة، والحفاظ على جو من الثقة والتفاهم المتبادل في العلاقات بين الدول، و التخلص بحزم من ازدواجية المعايير. ويمكن لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بل وينبغي له، أن يسهم في هذه الجهود. ونرى أن المجلس بمثابة أداة رئيسية يهدف الى ضمان إجراء حوار بناء وغير مسيس ومتعدد الأطراف على أساس المعايير المتفق عليها عالميا. ولا جدوى من فرض على أي كان ما يسمى بـ "القيم" ، التي تعكس حالة الأخلاق العامة لمجموعة ضيقة من الدول، ومهما كان رأي هذه المجموعة بنفسها عاليا.

وينبغي أن تكون المناقشات المتعلقة بحقوق الإنسان تمثيلية وتعددية. وتحقيقا لهذه الغاية، تقدم روسيا الاتحادية بترشيحه للمجلس للفترة 2021-2023. وأود أن أؤكد لكم أننا سنبذل كل جهد لتعزيز المبادئ الجماعية في أنشطتها، بغية تطوير نهج توافقي، وتجنب المواجهة.