مقال مدير الأكاديمية الدبلوماسية التابعة لوزارة الخارجية الروسية الكسندر ياكوفينكو "روسيا والعالم الإسلامي: نظرة إلى المستقبل" لوكالة إنترفاكس للأنباء، نُشرت في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019

إن التأثير المتزايد للأمة الإسلامية على العمليات الجارية على الساحة الدولية، هو واحدة من علامات عالمنا المتغير بسرعة. إن تنمية التعاون مع الدول الإسلامية تعتبر من أهم مهام السياسة الخارجية.

وفي الوقت الذي نحن فيه، منذ غابر الزمان، دولة أورو آسيوية، متعددة الجنسيات ومتعددة الأديان، فإن بلدنا يتمتع بتجربة تاريخية غنية في التعايش بين الثقافات المختلفة. إن علاقاتها مع العالم الإسلامي متجذرة في أعماق القرون. ولا يعرف تاريخ روسيا المصادمات بين الأرثوذكسية والإسلام، وكان التسامح الديني من أهم سمات السياسة الداخلية الروسية منذ زمن ياكترينا. وكما أكد الرئيس فلاديمير بوتين: "إن روسيا هي البلد الحضاري التي استوعبت عضويا العديد من التقاليد والثقافات، وحافظت على أصالتها وتفردها، وفي الوقت نفسه حافظت على وحدة الشعوب التي تعيش فيها، وهو أمر مهم للغاية".

لقد قدم بلدنا مساهمة كبيرة في القضاء على الاستعمار وتشكيل دول مستقلة، بما في ذلك العديد من الدول الإسلامية. إن منظمة الأمم المتحدة، التي نشأت بمشاركتنا المبادرة، كأساس للقانون والنظام الدوليين بعد الحرب، جسدت فكرة الوفاق الثقافي والحضاري لدول وشعوب العالم، التي تزداد أهميتها اليوم.

ان فرض الغرب التوحيد الثقافي والحضاري، المصحوب بزيادة رهاب الإسلام هناك، وبالمناسبة رهاب المسيحية، يخلق، تهديدًا بانقسام العالم دينيا وحضاريا. إن محاولات الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، فرض بدلاً من القانون الدولي قواعد ما وضعوها هم أنفسهم على المجتمع الدولي ، والتي، بالمناسبة، لا احد قادر على التعبير عنها بوضوح، تدبر بهدف تبرير إن كل شيء مُباح، كما تجلى في حرب العراق، والتدخل المسلح في ليبيا، وضغوط العقوبات على سوريا وإيران وتركيا وانسحاب إدارة ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة للبرنامج النووي الإيراني، وتجاهل واشنطن للقاعدة المعترف بها دولياً للتسوية في الشرق الأوسط. إن مثل هذه الأعمال لا تزعزع استقرار الوضع في العالم فحسب، بل تخلق أيضًا الثقة في جواز استخدام القوة غير المرخص بها من قبل مجلس الأمن الدولي، والتي يتم ملاحظتها، على سبيل المثال، في اليمن.

من الواضح ان مقاربة الغرب المميتة من" بقية العالم" كضاحيته، " وفضائه الحيوي" قد استنفدت نفسها. إن المجتمع العالمي يرفض الجيو سياسي العمودي " أحادي القطب " الذي استمر لمدة 30 عامًا في أذهان النخب الغربية. وفي رأيي ان روسيا وجدت نفسها طبيعيا في اتجاه بديل واعد، يضع في موقع الصدارة البحث عن الوفاق، والدبلوماسية الشبكية واحترام القيم الأساسية للتسوية فيما بعد الحرب.

واليوم، عندما أسفرت "الهندسة" الجيوسياسية للولايات المتحدة وحلفاؤها عن أزمات سياسية، وتصاعد الإرهاب في الشرق الأوسط والقارة الأفريقية، أصبح من الواضح الطلب على نهج معاكس لإيجاد توافق الدول التي تنتمي إلى ديانات وتقاليد ثقافية مختلفة. في هذا السياق، فإن العلاقات بين روسيا والعالم الإسلامي، والتي تتطور على أساس ثنائي، والاستفادة من صفة المراقب في منظمة التعاون الإسلامي التي تم الحصول عليها في عام 2005 ، تكتسب أهمية خاصة. وعلى الرغم من عدم تجانس المجتمع الإسلامي، إلا أن ما يوحد روسيا والدول الإسلامية، كما أشار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، هو " الالتزام الثابت بالقانون الدولي، ومبادئ المساواة والعدالة، والأخذ بنظر الاعتبار المصالح المتبادلة، وكذلك احترام الهوية الثقافية والحضارية للشعوب، وتطلعاتها الطبيعية لاختيار نموذج التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية بشكل مستقل". هناك تفاهم ينمو في العالم الإسلامي بأن التغلب على الآثار السلبية لسياسة الغرب الموحدة أمر مستحيل بدون بلدنا والمبادرات التي يقترحها.

إن تطابق مقاربات موسكو وأغلبية العواصم الإسلامية في العديد من المشكلات الإقليمية والعالمية الرئيسية، يتيح تنسيق أنشطة روسيا ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ورسيا والدول الإسلامية منفردة، في المنظمات الدولية. إن مشاكل الأمن العالمي والإقليمي والرقابة على الأسلحة وعدم انتشار أسلحة الدمار الشامل تناقش على المستوى الثنائي، ومن الأمثلة على ذلك عمل الفريق الاستشاري الروسي الباكستاني المعني بالاستقرار الاستراتيجي.
ويتم النظر حاليا في مفهوم ضمان الأمن الجماعي في منطقة الخليج، الذي طرحته الدبلوماسية الروسية. والهدف الرئيسي طويل الأجل للمفهوم هو إنشاء منظمة شاملة للأمن والتعاون، التي لا تشمل فقط الدول العربية في المنطقة، ولكن كذلك إيران التي لديها علاقات معقدة معهم، وكذلك روسيا، والصين، والولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، والهند، والأطراف المعنية الأخرى بصفة مراقبين أو أعضاء منتسبين.

تتجلى الطبيعة الإيجابية للسياسة الخارجية الروسية أيضًا في تقديم المساعدة للتغلب على أوضاع التأزم والنزاعات الجارية في العالم الإسلامي. مثال على ذلك إنجازات روسيا على مسار التغلب على الأزمة في سوريا (بما في ذلك في صيغة أستانا مع إيران وتركيا) ، وجهود بلدنا في تخفيف حدة الوضع في الخليج، بما في ذلك المبادرة ذات الصلة، وتحركات موسكو في إطار تسوية الشرق الأوسط، بما فيه مسار المصالحة الفلسطينية، ومحفل موسكو للمشاورات بصدد أفغانستان ، إلخ.
يجري تعليق أهمية خاصة على اتجاه التعاون في مكافحة الإرهاب. وأنشأت وزارات خارجية روسيا ومصر وتركيا وإندونيسيا ومالي مجموعات عمل ثنائية لمكافحة الإرهاب الدولي، والتي تعمل بكثافة.

ويتم تعزيز التعاون الاقتصادي، في المقام الأول في مجالات مثل الطاقة، بما في ذلك الطاقة النووية، واستكشاف الفضاء الكوني، وإنشاء المناطق الصناعية، والري والاستثمار والزراعة. ينبغي مستقبلا الاستفادة بصورة أكمل من الإمكانيات الاقتصادية والعلمية الهامة الحالية.

وتتطور بنجاح كبير العلاقات الإنسانية - في مجالات الثقافة والعلوم والتعليم والإعلام. وتقام بانتظام في روسيا مسابقة دولية لتلاوة القرآن. وهناك مجال مهم أيضا يتمثل بمشاركة بلادنا والدول الإسلامية في "حوار الحضارات". وتبدي المنظمات الدينية للمسلمين الروس نشاطا في هذا العمل.

تساهم المناطق الروسية، التي يعتنق جزء كبير من سكانها فيها الإسلام، في التفاعل مع العالم الإسلامي. على وجه الخصوص، إن قازان في غضون 10 سنوات، تصبح كل عام منبر للمنتدى الاقتصادي الدولي ، الذي تُعقد فيه لقاءات نخبة رجال الأعمال في روسيا والدول الإسلامية.

إن أحد المشاركين في المبادرة في التواصل الروسي ـ الإسلامي هو مجموعة الرؤية الاستراتيجية "روسيا ـ العالم الإسلامي"، الذي يترأسه رئيس تتارستان روستام مينيخانوف. وتضم هيئتها شخصيات اجتماعية سياسية مرموقة، وعلماء دين مشهورين من روسيا و 27 دولة إسلامية.

يشهد تبادل الزيارات بين كبار قادة بلادنا والدول الإسلامية الرائدة، بما في ذلك مصر وتركيا وإيران والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن وقطر وجمهوريات آسيا الوسطى وغيرها، على مستوى التعاون العالي بين روسيا والعالم الإسلامي. وقد برهنت على فعالية التعاون، الزيارات الرسمية التي قام فلاديمير بوتين للرياض وأبو ظبي في أكتوبر 2019 ، والتي أسفرت عن التوقيع على عدد من الوثائق الثنائية، للتعاون في قطاعي الطاقة والاستثمار، وتنفيذ مشاريع مشتركة في بما في ذلك في مجال الذكاء الاصطناعي.

إلى جانب ذلك، تطرح المرحلة الحالية مهاما جديدة، وتخلق تحديات عالمية جديدة في سياق "أجندة التنمية"، والثورة التكنولوجية الرابعة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICT). وعلى وفق ما ذكره فلاديمير بوتين، "لقد حان وقت الخطوات والأعمال غير العادية وغير النمطية". في هذا الصدد، تتشكل مجالات جديدة واعدة للتعاون، مثل التعاون لمنع النزاعات في فضاء المعلومات والاستخدام غير المشروع لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وضمان احترام حقوق الإنسان في المجال الرقمي، والأنشطة المشتركة في مجال التكنولوجيات المتقدمة، وتطوير الذكاء الاصطناعي.
وإذ نتطلع إلى المستقبل، يمكننا بالتأكيد القول إن التعاون بين روسيا والعالم الإسلامي سيستمر يصب في العملية العالمية لتشكيل نظام عالمي متعدد المراكز، ويكون عاملا في الاستقرار الدولي، والحفاظ على التنوع الثقافي والحضاري للعالم، وتعزيز تقاليد التسامح الديني.