كلمة وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف وأجوبته على الأسئلة في "ورشة العمل" لمنتدى باريس الثاني للسلام، باريس ، 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2019

شكرا لحضوركم جلسة العمل هذه.

لتوفير الوقت، ستكون ملاحظاتي الافتتاحية قصيرة.

لقد نوقشت في الآونة الأخيرة القضايا الملحة على جدول الأعمال الدولي بتفصيل كبير. أحاول المساهمة في تلك المناقشات. أقصد أيضًا كلمتي في 27 سبتمبر من هذا العام، في المناقشة السياسية العامة للدورة 74 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وتم نشر نص الخطاب المترجم إلى الإنجليزية والفرنسية على الموقع الإلكتروني لوزارة الخارجية الروسية. لذلك، ألخص بإيجاز تقييماتنا لما يحدث في العالم.

لا شك فيه، ان العالم يتغير. ستستغرق هذه التغييرات فترة تاريخية طويلة. إن جوهر هذا التغيير هو التعددية القطبية. ويستخدم مفهوم تعددية الأطراف اليوم، كشعار. بغض النظر عن المصطلحات المستخدمة، سواء كان عالم متعدد المراكز، أو عالم متعدد الأقطاب، أو عالم متعدد الأطراف - فإن هذا لا يغير الجوهر. ولا يمكن لأحد ولا لدولة واحدة ولا لمجموعة من البلدان مثل ما نسميه "الغرب التاريخي" ، أن يحكم العالم بمفرده. إننا نشهد ظهور مراكز جديدة للنمو الاقتصادي، والقوة المالية، والنفوذ السياسي، الصين والهند والبرازيل ودول أخرى في أمريكا اللاتينية والدول الأفريقية، آخذة بالصعود،(وفقًا للمقاييس التاريخية) إنها بالتأكيد ستطلب ان يكون لها المزيد من التأثير على الشؤون الدولية.
لذلك، لم تعد القضايا الرئيسية المدرجة في جدول الأعمال الدولي تُناقش في مجموعة السبع. وقبل تسع سنوات، أعيد تنشيط مجموعة العشرين من أجل توفير المزيد من الفرص لبلدان من مناطق أخرى في العالم، إلى جانب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية. هذا اتجاه صحي للغاية، لأنه كلما زاد عدد مراكز القوة، سيبدو الوضع الدولي أكثر استقرارًا.

بطبيعة الحال، إن الأصدقاء الغربيون لم يبتهجوا بذلك. لقد هيمنوا على الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية على هذا الكوكب، وحددوا تطوره الحضاري على مدى اكثر من خمسة قرون. إنهم يحاولون إعاقة هذه العملية، وتعقيد زحف هذه الحقيقة الموضوعية بكل الطرق. أحد مظاهر هذا الموقف هو مفهوم جديد: بدلاً من الإحالة إلى القانون الدولي، كما كنا نفعل على مدى سنوات طويلة، فإنهم يدعون الجميع إلى احترام "النظام القائم على القواعد". ما يعني هذا؟ إن حق الشعوب في تقرير المصير على سبيل المثال، عندما يلبي مصالح الغرب، يعلنون أنه لا يقبل الجدل، وعندما لا يلبي مصالح الغرب يكون غير قانوني. دعونا نقارن الوضع في كوسوفو وشبه جزيرة القرم. تم إجراء استفتاء في شبه جزيرة القرم. لم يكن هناك استفتاء في كوسوفو، ولكن معظم الدول الغربية اعترفت بهذه المنطقة على الفور كدولة مستقلة.

مثال آخر على كيفية تطبيق "القواعد" في واقع الحياة هو الوضع في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. وفقا لاتفاقية الأسلحة الكيميائية (CWC) ، تم إنشاء الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية للرد على الطلبات الرسمية من الدول الأعضاء عندما ترغب في معرفة ما إذا كانت المواد المحظورة قد استخدمت أم لا. نقطة انتهى. ليس لديها أية وظائف أخرى. منحت الدول الغربية من خلال التصويت، للأمانة الفنية وظائف مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة: ليس فقط لتحديد ما إذا كانت قد اُستخدمت المواد المحظورة، أم لا، ولكن أيضًا من أجل تحديد هوية الجناة، والإشارة إلى من يريدون إلقاء التُهمة عليهم. هذا تغيير جذري للاتفاقية نفسها. ولكن لكي يتم تغييرها، من الضروري إجراء تعديلات، وتنسيقها، وبعد ذلك يصادق عليها جميع المشاركين.

لقد كان ذلك "غير طبيعي" مؤسف جدا في سلوك الدول الغربية، التي تنتهك القانون الدولي من أجل مصلحة المنفعة السياسية، وتعتمد القواعد التي تضعها بنفسها، والتي يمكن أن تتغير من حالة إلى أخرى.

على نفس المنوال، انهيار خطة العمل الشاملة المشتركة للتسوية حول البرنامج النووي الإيراني (JCPOA)، ورفض الولايات المتحدة المطلق لجميع القرارات الدولية المتعلقة بفلسطين، متجاهلين قرارات مجلس الأمن الدولي التي أصبحت بالفعل جزءًا من القانون الدولي، وتطبيق القانون الأمريكي خارج الحدود الإقليمية. والقائمة تطول.

موقفنا هو أنه يجب علينا قبول الحالة الواقعية للأشياء. لا يمكننا تجاهل مصالح مجموعات من البلدان ، بما في ذلك الدول الغربية. لكن ينبغي على الغرب أن يتخلى عن محاولات تصوير نفسه المرجع الأخير كقاضي ومدعي عام. أعتقد أنه من الضروري إجراء مناقشات سليمة للغاية ودعمها في مجموعة العشرين. يتم الآن تمثيل دول مجموعة السبع ، وبريكس، وغيرها من المناطق النامية التي ليست أعضاء في البريكس - إنها مجموعة تمثيلية للغاية. أعتقد أنه ليس من قبيل الصدفة أن مجموعة العشرين، التي أنشئت أصلاً لمعالجة المشاكل المالية والاقتصادية الرئيسية، تناقش بشكل متزايد القضايا السياسية التي تواجه المجتمع الدولي.

في الواقع يرمي هذا إلى التعويض عن عدم إحراز تقدم في إصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. تتقاسم الدول التي تريد أن تُسمع أصواتها في النقاش السياسي العالمي الرأي القائل بأن "مجموعة العشرين" تمثل منصة، أين ما كان هذا ممكناً. هذا لا يعني أننا يجب أن ننسى إصلاح مجلس الأمن الدولي. ان النقص الرئيسي في مجلس الأمن هو التمثيل الناقص للبلدان النامية. لا يمكننا حل هذه المشكلة إلا من خلال زيادة تمثيل بلدان آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. إن تعزيز تمثيل الدول الغربية لن يحل المشكلة، ولن يكون له أي قيمة مضافة. أود أن ألفت أنظاركم إلى حقيقة أن الغرب يحتفظ في أي تشكيلة من تشكيلات مجلس الأمن الدولي بثلث المقاعد على الأقل. في بعض الأحيان أكثر.

أدعو إلى إجراء مناقشة يتم خلالها الاعتراف بأن "نهاية التاريخ" التي أُعلن عنها بانتصار، لم تحدث بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، التاريخ مازال حيا ويشعر بنفسه بحالة جيدة، ولم تتحقق تنبؤات فرانسيس فوكاياما بشأن الهيمنة الأبدية للغرب. هذا الواقع معترف به بالفعل في العديد من الأعمال التحليلية، وفي التصريحات الأخيرة للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، في مقابلته. دعونا نناقش إلى أين نحن ذاهبون.

سؤال: هل يمكن بمحصلة كلمتكم، القول إنه يجب اتهام الغرب في كل شيء؟

لافروف: لا ، ليس في كل شيء. فقط في أخطائه.

سؤال: سأبدأ بمسألة سوريا. مع كل فهم النوايا والأهداف، أصبحت روسيا بالفعل واحدة من اللاعبين الرئيسيين في الشرق الأوسط، وليس فقط في سوريا. لقد سمعت مؤخرًا أحدا ما يطلق على روسيا اسم "شِريف الشرق الأوسط". عند تطوير هذا الاستعارة، يجب القول إن بلدكم الآن مسؤول عن ضمان أن "يكون الأمن في المدينة". كلما زادت القوة، زادت المسؤولية، كما نعلم من وقت الفيلم عن "السوبرمان". إذن، هل روسيا مستعدة لتوفير الخير العام في الشرق الأوسط، وفي سوريا على وجه الخصوص؟

لافروف: ان مثل عقلية الشِريف هذه ، والبوليس العالمي، هو اختراع غربي. إن هذا المنطق لا ينطبق على ما نلاحظه في سوريا. لا تنسوا أن الأزمة في هذا البلد بدأت على خلفية الكثير من الجرائم التي جرى ارتكابها في الشرق الأوسط ، وليس من جانبنا.

لنأخذ غزو العراق. في عام 2003 ، تم إعلان انتصار الديمقراطية في هذا البلد - هل يتذكر أحد الآن تلك التصريحات الصاخبة لجورج بوش؟ انظروا إلى ما يحدث في العراق اليوم. وبالمناسبة، إن "القاعدة" ظهرت بعد أن شرع الأميركيون في السبعينات والثمانينات في القرن الماضي في دعم المجاهدين الأفغان على أمل أن يتمكنوا من السيطرة عليهم بعد انسحاب القوات السوفيتية من هناك. في الواقع، تم إنشاء "القاعدة" ، التي أصاب الأمريكيين أنفسهم بكيد مرتد في 11 سبتمبر 2001. وبالمثل، في العراق بعد الغزو الأمريكي في عام 2003، تم إنشاء "الدولة الإسلامية" بعد عدة سنوات. وجرى إطلاق سراح أبو بكر البغدادي من سجن أمريكي، وترأس هذه الخلافة الرهيبة. إن العدوان ضد ليبيا ومن ثم ضد سوريا اطلقت تناسخ "القاعدة" : جماعة "جبهة النصرة"، أو كما يطلقون على أنفسهم "هيئة أحرار الشام".

أثارَ العدوان على ليبيا على الفور عدة موجات من الإرهاب باتجاه منطقة الصحراء ـ الساحل، والهجرة اللاشرعية إلى أوروبا. هذه هي النتائج الملموسة للمغامرات ضد العراق وليبيا وسوريا. وعندما كانت داعش على بعد خطوة واحدة من اجتياح الحكومة السورية، عندما وصل الإرهابيون إلى ضواحي دمشق، عندما توجه الرئيس السوري بشار ألأسد إلينا طلبًا للمساعدة، نعم - لقد ساعدناه، وأعتقد أننا سلكنا على الإطلاق سلوكا صحيحا. في الواقع، في الوقت الحالي، باستثناء محافظة إدلب، وبعض المناطق على الضفة الشرقية من الفرات، لم يعد الإرهابيون يسيطرون على هذا البلد، والحكومة الشرعية تحكم الدولة من جديد.

سؤال: يؤكد البعض بأن الدعم المقدم لنظام بشار الأسد يدفع السنة السوريين إلى أحضان القوى المتشددة والمتطرفين من "جبهة النصرة" وغيرها. ما رأيكم في هذا؟

لافروف: علينا التعامل مع ما ورثناه بعد مغادرة الفرنسيين من سوريا. بعد كل شيء ، أصبحت فرنسا مهندسا لبنية تنظيم السلطة في سوريا. هذا مُعطى. لم يكن لدينا مستعمرات على الإطلاق، لكن كان علينا التعامل مع تركات الفترة الاستعمارية.

ألقِوا نظرة على حدود ما بعد الاستعمار بين الدول في إفريقيا، بما في ذلك بلدان المنطقة المغاربية - فهذه خطوط مستقيمة تفصل بين الجماعات العرقية والدينية المختلفة. في العام القادم سنحتفل بالذكرى الستين للإعلان الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة ، والذي منح الاستقلال للمستعمرات والشعوب. سوف نتذكر بالتأكيد كيف تم اعتماد هذا الإعلان وما هي القضايا التي لم تحل. لأن بعض الدول لم تحصل على الاستقلال بالقدر الذي حددته الجمعية العامة للأمم المتحدة.

الآن يقول البعض أنه لا يستحق تذكر الماضي الاستعماري، وينبغي أن نعيش في الوقت الحاضر. لكن الكثير، بما في ذلك في أوروبا، يريدون إعادة النظر في القضايا المتعلقة بفترة نهاية الحرب العالمية الثانية – التي كانت قبل عشرين سنة من إنهاء الاستعمار. ولكن هذه ظاهرة فتية أين فترة نهاية الحرب العلمية الثانية منها. لا يمكن تجاهل هذه الحقيقة، وكذلك الحاجة إلى تحليل جميع جوانب عملية إنهاء الاستعمار، وأن بعض الشعوب لا تزال تحت سيطرة دول أجنبية ـ كل هذا لا تزال مسألة تحت البحث.

العودة إلى سوريا. أصبح الكثير من السنة جزءًا من النظام. انهم يشاركون بنشاط في العمليات التجارية والإدارة الحكومية. أنا بعيد عن فكرة أن العديد من السنة يرغبون في إزالة الحكومة الحالية والسقوط في أحضان الإرهابيين.

سؤال: أليس هناك أية مخاوف من ان يتم إعتبار روسيا بمثابة قوة استعمارية جديدة في الشرق الأوسط؟

لافروف: تمت دعوتنا إلى هناك، على عكس الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وأعضاء آخرين ممن يطلق عليهم التحالفات المناهض للإرهاب، والموجودة في سوريا بشكل غير قانوني. تمت دعوتنا من قبل حكومة شرعية ، لكنني لا أعتقد أن هذا مُدرج في تعريف الاستعمار.

سؤال: كيف تقيمون ما يحدث في العراق (في سياق الثورة أو كما تسمون انتم هذه الأحداث) ولبنان؟ هل تؤيد روسيا هذه العمليات أم تتصدى لها؟ هل تعتقد أنها مفيدة لتطور هذه البلدان؟

سيرجي لافروف: صدقوا، بالأمس فقط ناقشت هذا الموضوع. لقد اعتدنا على اعتبارنا مشاركين في كل ما يحدث في العالم: التسمم في سالزبوري، وبريكسيت، والوضع في كاتالونيا. لقد ذكرونا مؤخرًا بين أولئك الذين تدخلوا في الوضع في تشيلي، والذي تم بسببه إلغاء قمة أبيك. لذلك، كنت مهتما بلماذا لم يتم ذكرنا في سياق الأحداث في العراق ولبنان وحتى الآن في بوليفيا. وبطريقة ما، لم نُتهم بعد بتنظيم انقلاب في بوليفيا. إن شيئا ما غريب يحدث في أذهان أولئك الذين عادة ما يشكلون الأجندة الجيوسياسية.

أعتقد أن ما يحدث في العراق مؤسف للغاية. ومن المُحزن مشاهدة لبنان في مثل هذا الوضع غير المستقر. لكن لا تنسوا أن الناس في العراق ما زالوا يحاولون التعافي من تركات الاحتلال الأمريكي والهندسة السياسية المتهورة التي قام بها بريمر في العراق، وطرد أعضاء حزب البعث من كل مكان. بالمناسبة، إن أفضل مقاتلي داعش هم من الضباط السابقين في جيش صدام حسين، الذي حرمهم بريمر من العمل. وكما قال ونستون تشرشل، إن الأمريكيين دائما يسلكون سلوكا صحيحا، ولكن بعد أن يجربوا جميع الخيارات الأخرى. في لبنان، ندعم جهود سعد الحريري لتشكيل حكومة جديدة. لكن كما أفهم، إن فكرته وعدد من زملائه تتمثل في تشكيل حكومة تكنوقراط دون أي كيانات سياسية. لا أعتقد أن هذا ممكن في واقع لبنان.

سؤال: تلعب روسيا دوراً هاماً في الشرق الأوسط، خاصة عندما يتعلق الأمر بدعم أولئك الذين يبحثون عن حليف ضد الولايات المتحدة في النزاعات. يشير هذا إلى حد ما إلى أن روسيا تقدم المساعدة لأولئك الذين يخدمون مصالحها في مواجهة الولايات المتحدة. هل تقيمون على هذا النحو تحركات روسيا في الشرق الأوسط، أم أنكم لا توافقون على ذلك؟ وإذا لم توافقوا، فلماذا نرى أن روسيا، وبدلاً من المساعدة في إنشاء مناطق أمنية في سوريا، وبدلاً من إعادة بناء المدن المدمرة، بما في ذلك من قبل الطيران الروسي ، تدعم نظام بشار الأسد، الذي يعارضه الكثيرون ويعتبرونه غير شرعي؟

لافروف: أولاً وقبل كل شيء "النظام"، كما تسمونه، هو حكومة دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة. لذلك، عندما يتحدث شخص ما عن "النظام"، أتركه لضميره.

ثانياً، لم نبنِ سياستنا الخارجية أبدًا، وفي أي حال من الأحوال لغرض وحيد هو معارضة الولايات المتحدة. إذا أخذنا الشرق الأوسط، فإن روسيا هي الدولة الوحيدة التي تحافظ على التواصل مع الجميع. في سوريا نجري حوارًا مع الحكومة، والمعارضة، والأكراد، وبالمناسبة مع الأميركيين. لدى العسكريون الروس آلية لتجنب الاصطدامات غير المقصودة في الهواء من طائراتنا وطائراتهم. في ليبيا ، نتحدث مع رئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني الليبي فايز السراج، ومع رئيس مجلس النواب الليبي (البرلمان) عقيلة صالح، وقائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر - مع جميع الأطراف. نفس القصة في العراق. نحن نبني حواراً مع السنة والشيعة والأكراد. لقد زرت العراق مؤخرًا، حيث زرت بغداد وأربيل. نحن نعمل بشكل وثيق في سوريا، مع تركيا وإيران. اسمحوا لي أن أذكركم أنه وقبل إنشاء تنسيق أستانا في أواخر عام 2016 - أوائل عام 2017 ، لم يكن هناك حوارا بين الحكومة والمعارضة الحقيقية. المعارضة الوحيدة التي تمكن الغرب من جمعها في ذلك الوقت كانت من المهاجرين الذين يعيشون في إسطنبول والرياض وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. تم تقديمهم كشركاء للحوار. ثم نظمت روسيا وتركيا وإيران نسقًا جلست فيه على طاولة المفاوضات الحكومة والمعارضة التي ناضلت ضدها والأسلحة في أيديها. هكذا بالتحديد تيسر لنا عقد مؤتمر للحوار الوطني السوري، وعقد اللجنة الدستورية، وهكذا بالتحديد تم تثبيت وقف إطلاق النار في جزء كبير من سوريا. قبل ذلك، في عام 2013، كنا قريبين جدًا من الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق حول كيفية حل النزاع السوري. تم التوصل الى اتفاقية مع وزير الخارجية جون كيري، ووافقت عليها الحكومة في دمشق، تنحصر في أن سلاح الجو السوري يظل على الأرض بشكل عام، وسيتم الاتفاق على أي عملية للقوات الجوية الروسية الفضائية والقوات الجوية الأمريكية بين الأطراف. وبعبارة أخرى، كان للولايات المتحدة وروسيا حق النقض (الفيتو) ضد تحركات بعضهما البعض الآخر في سوريا. كان الشرط الوحيد لدخول الاتفاق حيز التنفيذ هو أن تفصل الولايات المتحدة المعارضة المسلحة عن الإرهابيين، من "جبهة النصرة". لم يفعلوا ذلك قط. لديّ أساس للاعتقاد، استنادًا إلى أمثلة واقعية في الأعوام الماضية، أن واشنطن لا تزال تدعم "جبهة النصرة"، على الرغم من أن هذه المنظمة مُدرجة في اللائحة الأمريكية للمنظمات الإرهابية ، يرى الأمريكيون في "جبهة النصرة" ثقل موازن للحكومة السورية. هذا هو خطأهم الأخر بعد اعتمادهم على المجاهدين الذين شنوا هجوم 11 سبتمبر؛ وبعد ما فعلوه في العراق عندما تم إنشاء داعش. الآن يرعون "جبهة النصرة"، وباقين على خطأً أن بمقدورهم السيطرة عليها. هذا وهم.

عند الحديث عن استعادة البلاد، فإننا نطرح المشاريع بالتعاون مع حكومة الجمهورية العربية السورية ، ندعو الجميع إلى تهيئة الظروف لتحديث البنية التحتية لعودة اللاجئين حتى تتمكن البلاد من العودة إلى الحياة الطبيعية. وترفض الولايات المتحدة بشكل قاطع هذه الضرورة، وتحظر على جميع الحلفاء في حلف شمال الأطلسي وفي الاتحاد الأوروبي ودول المنطقة - الاستثمار في أي مشاريع في الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة. من ناحية أخرى،، يبذلون قصارى جهدهم على الضفة الشرقية للفرات لتنظيم هيكل شبه دولة، ويطلبون من دول الخليج استثمارات كبيرة لإنشاء إدارة محلية قائمة على قوات سوريا الديمقراطية ووحدات الحماية الذاتية الكردية. ويتم ذلك بنية واضحة لفصل هذا الجزء من سوريا والسيطرة على حقول النفط هناك. إن بي بي سي هي وسيلة إعلامية جادة. قارنوا الحقائق الفعلية ولا تدعوا الشعارات ترشدكم

سؤال: لقد قلتم للتو إن أفضل مقاتلي داعش هم أعضاء سابقين في حزب البعث. لقد عدت للتو من الحدود التركية/ السورية، حيث أطلقت تركيا مع روسيا الشهر الماضي عملية "نبع السلام". لقد ذكرت الأكراد في العراق، لكن ماذا يمكنك أن تقول عن الأكراد في سوريا؟

لافروف: روسيا لم توافق على عملية "نبع السلام"، وإنما الولايات المتحدة وافقت عليها، اذا توخينا الحذر بالتعامل مع الحقائق. لقد حاول الأمريكيون التفاوض مع تركيا، ثم قالوا إنهم لا يستطيعون التوصل إلى اتفاق، لذلك يبقى الأكراد بمفردهم، وهم يغادرون. بالإعلان عن أنهم يتركون الأكراد وسوريا، تخلصت واشنطن من الالتزامات تجاه الأكراد، لكنهم سيعودون من أجل النفط (وليس من أجل الأكراد). هذه "علامات متعرجة" مثيرة للاهتمام في السياسة الخارجية، والتي تعيدنا مرة أخرى إلى تصريح ونستون تشرشل بأن الأمريكيين يقومون دائمًا بالشيء الصحيح، ولكن بعد أن يجربوا جميع الخيارات الأخرى. يجب أن يشارك الأكراد في سوريا في الحوار السياسي. لكن على الأكراد في سوريا أن يكونوا متسقين. قرروا في بداية النزاع أنهم يستطيعون التحرك بشكل مستقل بدعم من الولايات المتحدة، عندما أعلنوا عن إنشاء المنطقة الفيدرالية الشمالية – روـ جافا ، معتقدين أن الولايات المتحدة ستدعمهم دائمًا في هذه الحركة الانفصالية، إن هذا كان قرارهم. حاولنا أن نوضح لهم وللحكومة السورية أنه من المهم بدء الحوار. لم يكن الأكراد مهتمين بهذا. لقد اعتقدوا أن الولايات المتحدة سوف تحميهم دائمًا. عندما قامت الولايات المتحدة بهذا "الانقلاب"، بدأ الأكراد يطلبون منا المساعدة في بدء الحوار مع دمشق الرسمية. كنا على استعداد للقيام بذلك. ولكن بعد ذلك، عندما قال الأمريكيون إنهم سيعودون للسيطرة على حقول النفط فقد الأكراد اهتمامهم مرة أخرى بمثل هذا الحوار. هناك حاجة الى الاتساق. ليس لدي شك في أنه لا يمكن التوصل إلى حل النزاع السوري إلا مع مراعاة مصالح الأكراد، وكافة الجماعات العرقية والدينية الأخرى. والأكراد مُمَثلون في اللجنة الدستورية في جنيف. لكن هؤلاء ليسوا ممثلين لوحدات الحماية الذاتية. أنتم تعرف ما يفكر عنهم الأتراك. نعتقد أن هذه القضية تتطلب مناقشة متقنة ومُحكَمة للغاية وحلًا سياسيًا بحتًا، ولكن لا يمكن العثور عليه إلا إذا جلس جميع اللاعبين الرئيسيين على الطاولة واحدة ويناقشون بصيغ احترام وحدة الأراضي السورية، وحل جميع القضايا القومية والاثنية والدينية في سياق وحدة أراضي البلاد. هذا هو عمل اللجنة الدستورية.

سؤال: تحدثنا كثيراً عن الولايات المتحدة الأمريكية اليوم. في عام 2020، من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. كيف تستعد روسيا لهم؟

لافروف: سنحل هذه المشكلة ، لا تقلقوا.