مقابلة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع مركز" إزفيستيا" للوسائط المتعددة، فلاديفوستوك


سؤال: هل يمكن القول أن العلاقات الدولية في هذه المرحلة قد وصلت بهذا الشكل أو ذاك إلى توازن، وإن كان غير مستقر، في المنطقة السلبية؟

لافروف: في هذا الخصوص هناك العديد من العبارات – فيما يتعلق بالقاع الذي تم الوصول إليه، و"لقد طرقوا من القاع" ...
أود أن أقول إن العلاقات الدولية لا تزال معقدة بثبات. هذه عملية التي لا يمكن إيقافها بعد. كما ترون كيف ان زملاؤنا الأمريكيون، وبقيادتهم حلفائهم الأقرب والأكثر ولاءً، اتخذوا، في الواقع اتجاها نحو تقويض النظام القانوني الدولي، الذي ترتب بعد الحرب العالمية الثانية، بأكمله، بما في ذلك الاتفاقيات التي تم إنشاؤها على مدار العقود الأخيرة في مجال الاستقرار الاستراتيجي، والرقابة على الأسلحة. في أوائل الألفين تم إنهاء معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ من جانب واحد، وتم الآن إبطال معاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى، وليس هناك أي وضوح بشأن آفاق تمديد معاهدة تخفيض الأسلحة الاستراتيجية. وبشكل عام، إن الهياكل القانونية الدولية التي تم إنشاؤها بعد الحرب العالمية الثانية، وتطورت على أساس اتفاقيات شاملة، تتعرض لأصعب الاختبارات. ويستخدم زملاؤنا الغربيون أقل فأقل مصلح مصطلح "القانون الدولي". انهم يفضلون التحدث عن "نظام قائم على القواعد". وكما توضح الممارسة، فإنهم يخترعون هذه القواعد في كل مرة بما يلبي احتياجاتهم، ويحاولون إقناع الجميع، بأن هذه قرارات متعددة الأطراف، ويجب على الجميع اتباعها. ربما، نحن الآن بحاجة إلى البحث عن دِعامة باقية، أولاً وقبل كل شيء - هذا هو ميثاق الأمم المتحدة.الذي يجب الدفاع عنه بكل الوسائل. أود ان أشير الى تأثير مجموعة العشرين في الاستقرار، حيث أنها تمثل جميع المناطق الرئيسية في العالم، ومراكز التأثير الاقتصادي والمالي. وتعكس مجموعة العشرين اعترافًا بحقيقة تعدد المراكز في العالم. مع هذه الحقائق بالتحديد، يحاول الغرب القتال، ويحاول الحفاظ على هيمنته، التي استخدمها منذ 500 عام، " عندما اطلق اللحن" في جميع الشؤون الدولية. إن اهتمام الغرب بأنشطة مجموعة العشرين يدل على أنه مجبر على إدراك هذا الواقع الجديد. في مجموعة العشرين، لا تتم المحادثة من خلال الإنذارات، ومتطلبات أحادية الجانب، وإنما على أساس الاحترام المتبادل والبحث عن توازن في المصالح. وأود الإشارة إلى أن المنظمات، التي تشارك فيها روسيا مثل بريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، تعمل على نفس هذه المبادئ. وعلى العموم، في الفضاء الأوراسي، عندما نعزز، ما وصفه رئيس روسيا فلاديمير بوتين بأنه "الشراكة الأوروآسيوية العظيمة" بمشاركة، آسيان، نسترشد بنفس المبادئ. وإن العمليات تتطور، إنها متباينة، وسوف نتوصل الى أنها تسير في مجرى، ان يتم اخذ بالاعتبار المصالح المتبادلة لجميع المشاركين في الاتصالات الدولية.

سؤال: نلاحظ باستمرار كيف يتم انتهاك القواعد التي وضعتها المنظمات الدولية، على سبيل المثال، منظمة التجارة العالمية، من جانب بعض شركائنا. يتم إنشاء الحواجز والرسوم. ألم يحن الوقت لمراجعة هذه المنظمات وإدخال بعض الإصلاحات فيها؟

لافروف: بالطبع، لا يمكن "ان تتجمد" أية بنية في شكلها الأصلي، ولا يمكن ان لا تستجيب لإملاءات الزمن ولتلك التغيرات التي تحدث في العالم - سواء كان ذلك من خلال إنشاء تكنولوجيات جديدة أو ظهور واقع جيو سياسي جديد. وبهذا المعنى، فإن ميثاق الأمم المتحدة هو مركز نظام العلاقات الدولية بأكمله. إن المبادئ " النويات" الأساسية المنصوص عليها فيها، مثل احترام المساواة في السيادة بين الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والتسوية السلمية للنزاعات، وعدم جواز التهديد بالقوة، واستخدامها، واحترام حق كل شعب في تحديد مسارات تنميته بشكل مستقل، لا تخضع للتغيير والمراجعة. إنها مثل الوصايا العشر. شيء آخر هو أن جميع التصاميم في مجالات النشاط البشري، والتي تستند إلى هذه المبادئ، يمكن تعديلها. كانت هناك العديد من هذه الأمثلة في الآونة الأخيرة في الأمم المتحدة نفسها. على سبيل المثال، بالإضافة إلى الهيئات التي تم إنشاؤها وفقًا للميثاق، ونظرًا للعلاقة بين الجهود المبذولة لحل النزاعات، والعودة اللاحقة إلى الحياة السلمية، تم إنشاء لجنة خاصة لبناء السلام - عند تقاطع حفظ السلام، وتهيئة الظروف لتطبيع الحالة الاجتماعية والاقتصادية في البلد. في مرحلة التغلب على الأزمة.

منذ بعض الوقت، تم إنشاء مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة (قبل ذلك كان هناك لجنة لحقوق الإنسان) وفقًا لمبادئ جديدة مبدئيا، تضمن مراعاة متساوية لحالات حقوق الإنسان في كل بلد. لا يوجد هناك مشاركون متميزون، لا يمكنهم أن يكونوا موضوع محادثة، حول كيف حال الأمور لديهم في هذا المجال. ولكن يتم إنشاء العديد من الهياكل الأخرى، بما في ذلك في مجال مكافحة تغير المناخ. وهذا أيضًا رد فعل على العمليات الطبيعية الحقيقية، التي تحدث في العالم وتخلق مختلف الصعوبات الخطيرة لجميع البلدان دون استثناء.

بطبيعة الحال، ان اهم جهاز - أي مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة - يحتاج إلى الإصلاح. وقد تم الاعتراف بهذا منذ فترة طويلة. وجرى إطلاق عملية تفاوض بمشاركة جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وتم إنشاء هيكل خاص في إطار الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبالطبع، يجب أن تعكس النتيجة النهائية لهذه المفاوضات الواقع الجيو سياسي المتغير. لقد ظهرت مراكز جديدة للنمو الاقتصادي والقوة المالية. ومع هذا يأتي التأثير السياسي. وينبغي أن لديه إمكانات كبيرة للمساهمة بقسطه في وضع حلول مشتركة للقضايا الرئيسية المتعلقة بالسلام والأمن. وفي هذا السياق، أود الإشارة إلى أن المشكلة الرئيسية للتكوين الحالي لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تكمن في التمثيل الناقص بشكل سافر للمناطق النامية في العالم - آسيا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية. لذلك، فإن أحد العناصر الرئيسية في موقفنا هو ضرورة تجديد مجلس الأمن، عن طريق ضم المرشحين له، من هذه المناطق الثلاث في العالم النامي. كان هناك منذ فترة طويلة ترشيح للهند من آسيا، ومن أمريكا اللاتينية - البرازيل. ونعتقد أن كلا هذين البلدين لهما كل الحق في التطلع إلى تحسين تمثيلهما في الأمم المتحدة، بما في ذلك في مجلس الأمن. وبالطبع، وبالتوازي مع إرضاء تطلعات منطقتي آسيا وأمريكا اللاتينية، من الضروري حل بالمثل مشكلة زيادة تمثيل القارة الأفريقية.

وتتعرض منظمة التجارة العالمية ، التي ذكرتها، أيضًا لاختبارات جدية، تعكس كل المحاولات نفسها لفرض قواعد معينة بدلاً من المعايير المتفق عليها عالميًا. وهذا يشمل العقوبات غير المشروعة التي تتعارض مع التزامات منظمة التجارة العالمية. وكما تعلمون، فإن العقوبات التي أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا، واليابان، ودول غربية أخرى ضد روسيا، لا تتوافق مع مبادئ منظمة التجارة العالمية. الحروب التجارية، والزيادة المتبادلة المستمرة في التعريفات، هي سلسلة من ردود الفعل التي لا تثير فقط قلق المشاركين المباشرين في هذه المواجهة، ولكن بقية العالم، لأن الاقتصاد العالمي يعاني من الحرب التجارية بين أكبر الاقتصاديات : الولايات المتحدة والصين. ومن الضروري العودة إلى المبادئ التي تأسست عليها منظمة التجارة العالمية. وكانت هذه المبادئ موضوعا لسنوات عديدة من المفاوضات، بشأن الشروط التي بموجبها ينضم كل بلد إلى هذه المنظمة. ويجب احترامها. لدى منظمة التجارة العالمية آلية لحل النزاعات. على الأقل، هناك بعض الأمل في أن الولايات المتحدة، الرائدة في اطلاق العنان للحروب التجارية، وفرض شروط مواتية للولايات المتحدة نفسها، لا ترفض ضرورة اللجوء إلى آلية تسوية النزاعات هذه. لكن الصراع في أمكنة التفاوض سيكون صعبا للغاية.


سؤال: هل من الممكن في هذه الظروف الصعبة تحديد من هو الآن الشريك الرئيسي لموسكو، ومن هو الخصم الرئيسي؟
لافروف: هناك دائمًا رغبة في إجابات بسيطة على الأسئلة الصعبة. هذا أمر مفهوم: أخبرني من هو صديقك، وسأقول من أنت.

لدينا الكثير من الشركاء. لن اذكر بلدان محددة – لأننا لا نريد الإساءة إلى لأحد. هناك علاقات قريبة ووثيقة ومبنية على الثقة، مع البعض، ومستقرة مع آخرين، وسلبية بشكل ثابت مع أخرى، ولكن مع إدراك ضرورة التحدث مع بعضنا البعض الآخر. وحتى مع دولة شريكة لا يتطور معها التعاون الوثيق، وتتراكم معها المشكلات في العلاقات، رغم ذلك يتعين الاتفاق، وخاصة إذا كانت دولة كبيرة لها مواقعها في النظام الدولي المعاصر. وعلى العموم، هذه هي الدبلوماسية : القدرة على الاتفاق.

سنكون دائمًا مستعدين للتحدث مع أي دولة، دون أي استثناء، على أساس أن شريكنا سيكون مستعدًا لإجراء محادثة على أساس الاحترام المتبادل والمساواة، وليس بهدف إرسال إشارة ما إلى الرأي العام لديه عشية الانتخابات، وإنما بهدف تطوير اتفاقات مقبولة للطرفين تقوم على توازن المصالح. هذا هو المفتاح لأي نشاط دولي.

إن التهديد الرئيسي في الشؤون العالمية، في رأيي، يكمن الآن في أن بعض البلدان لا تدرك الخطر الذي تشكله التحديات الجديدة للبشرية جمعاء، مثل الإرهاب، والجريمة المنظمة، والهجرة غير الخاضعة للرقابة، والأمن الغذائي، الذي لم تستطع البشرية أن توفره بأي شكل من الأشكال، وتغير المناخ، والكثير غيرها. إن نتائج التطور التكنلوجي والظواهر الطبيعية ستجعل الحدود تختفي. ولا يمكنك الاختباء من الكوارث التي تهز منطقة، أو أخرى في العالم، من ارتفاع درجات الحرارة ، ومن الفقر. إن السبب الجذري لمشكلة تدفقات المهاجرين، التي اجتاحت أوروبا، هو الافتقار إلى فرص العمل والآفاق، وخاصة لدى الشباب، في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولا يمكن الانعزال عن هذا، ولكن فقط يمكننا معا التغلب على ذلك. لذلك، عندما يحاول بعض زملائنا، خاصة في الغرب، الاسترشاد فقط باعتباراتهم الأنانية والجيوسياسية في هذه الأمور - بقولهم، سأفعل شيئًا في الوقت الحالي، باستخدام حتى أولئك المتطرفين في الشرق الأوسط للإطاحة بنظام ما، سوف يُحسب لي خلال الحملة الانتخابية - فهذا تهديد. تهديد عندما لا يفهمون الطابع البشري للتحديات الحديثة. لذلك، نحن بمثل هذا المثابرة، مع شركائنا في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، ومنظمة شنغهاي للتعاون، وبريكس وفي مجموعة العشرين، نصر على ضرورة تشكيل هياكل جماعية حقيقية لوضع الحلول الأكثر فعالية لجميع هذه التهديدات.
في مجال مكافحة الإرهاب، كان رئيس روسيا فلاديمير بوتين قد اقترح في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2015 التخلي بشكل قاطع عن المعايير المزدوجة، ومحاولات تقسيم الإرهابيين إلى " الجيدين" الذين يمكن استخدامهم للأغراض الخاصة، و "السيئين" الذين يجب القضاء عليهم، كما اقترح تشكيل جبهة عالمية أصيلة لمكافحة الإرهاب، تحت رعاية الأمم المتحدة. هناك تقدم في هذا الاتجاه. يتم إنشاء الآليات اللازمة في الأمم المتحدة وفي المنظمات الإقليمية. لكن مازالت بعيدة عن الأنشطة، المفتوحة، والنزيهة، والقائمة على الثقة ودون ازدواجية المعايير. نحن نواصل الجهود في هذا الاتجاه.

سؤال: في بداية حديثنا، ذكرت اتفاقية الأسلحة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا. أي مستقبل ينتظر هذه الاتفاقات؟ هل سينضم طرف ثالث إلى هذه الاتفاقات ، كما تصر واشنطن على؟

لافروف: فيما يتعلق بمستقبل هذه الاتفاقات، فإن بعضها اصبح بالفعل في الماضي - ولا سيما معاهدة الحد من أنظمة الدفاع المضادة للصواريخ ومعاهدة تصفية الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى. الآن يمكننا أن نتحدث بجدية قبل كل شيء عن مستقبل معاهدة الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية. ان سريان مفعولها ينتهي في فبراير 2021. لقد دعونا مرارًا وتكرارًا، بما في ذلك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الولايات المتحدة علنا ببدء العمل على تمديد هذه المعاهدة لمدة خمس سنوات، على النحو المنصوص عليه في نص الوثيقة. لم يكن رد فعل الولايات المتحدة واضحاً للغاية. مرة يقولون أن تمديد هذه المعاهدة أمر غير محتمل، وأخرى أنه من المستحيل القيام بذلك، بالنظر إلى الأسلحة الجديدة، وفي المقام الأول الأسلحة التي تفوق سرعة الصوت، والتي أعلن فلاديمير بوتين عنها في الخطاب الذي ألقاه أمام الجمعية الفيدرالية العام الماضي. وعلى الرغم من أن الذين يعرفون نص هذه المعاهدة يفهمون أنها لا تغطي هذه الأسلحة. وإذا كانت الولايات المتحدة مهتمة بمناقشة جوانب الاستقرار الاستراتيجي، وتحديد الأسلحة التي تتجاوز نطاق المعاهدة، فعندئذ ينبغي أن تكون قد وافقت منذ فترة طويلة على الدعوات التي أرسلناها عدة مرات لاستئناف الحوار حول الاستقرار الاستراتيجي من جميع جوانبه بشكل مستمر ومنتظم - الهجومية والدفاعية. هذا التوازن الذي انعكس في معاهدة ستارت، والذي تعرضت لخطر شديد بعد انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية، مهم للغاية. بمعنى آخر، يمكن مناقشة أي شيء، لأنه حوار حول الاستقرار الاستراتيجي، ويمكن خلاله إثارة أي قضايا تشكل تهديدًا لهذا الاستقرار الاستراتيجي، حيث تتحمل الولايات المتحدة والاتحاد الروسي المسؤولية الرئيسية لحالته في العالم.

لقد ذكرت مصير معاهدة تخفيض الأسلحة الاستراتيجية. لقد أكدنا مرارًا وتكرارًا أنه بلا شك أن تُناقش الموضوعات الجديدة التي لا تغطيها هذه المعاهدة. ولكن في الوقت نفسه، لا يجوز تعريض مصير المعاهدة للخطر، لأنه إذا انتهى سريان مفعولها، وتوقف عملها، سيكون هناك فراغا كاملا في مجال تحديد الأسلحة، ولن يكون هناك هيكلا داعما. وتقترح الولايات المتحدة إشراك جمهورية الصين الشعبية في هذه العملية. ، وأعلنت بكين مرارًا وتكرارًا موقفها من هذه المسألة: إنها لا يعتزم القيام بذلك. إنها تشير إلى النطاق الذي لا يضاهى في الإمكانات النووية لروسيا والولايات المتحدة والصين. لكن الولايات المتحدة، في الوقت الذي تستمر فيه ذكر الصين، كمشارك محتمل في المفاوضات المقبلة التي يمكن أن تنقذ معاهدة ستارت، لم تذكر، لسبب ما، حلفاؤها – وهي كذلك قوى نووية: بريطانيا وفرنسا.

وأؤكد مرة أخرى أن موقفنا ينحصر في أنه، وقبل أن نتلمس طرق لتطوير حوار دعم الاستقرار الاستراتيجي في الظروف الجديدة، ليس لدينا الحق، ولا يمكننا تحمل ترف خسارة معاهدة START-3. وسنعمل على أنها ستظل سارية المفعول بالتوازي مع المناقشات، في مجال الاستقرار الاستراتيجي بشأن أي قضايا تهم كل من الدول النووية.

سؤال: هل أفهم بشكل صحيح أن هذا الموقف غير المحدد لواشنطن يرتبط إلى حد كبير بالعمليات السياسية الداخلية التي تجري في هذا البلد، وهو جزء من هذه العمليات؟ كيف إذن بناء حوار مع واشنطن، بما في ذلك إعادة العلاقات الأمريكية الروسية؟ هل ثمة حاجة إلى استعادتها إلى الحد الذي كانت عليه من قبل؟

لافروف: بالطبع، ان العلاقات تقوضت إلى حد كبير. هذه العملية، للأسف، لا تزال مستمرة. نحن لا نفرض صداقتنا. لكن مقترحاتنا حول كيفية إصلاح هذه العلاقة تم تسليمها مرارًا إلى الزملاء الأمريكيين، بما في ذلك خلال اجتماعات الرؤساء واجتماعاتي مع وزير الخارجية الأمريكي مارك بومبيو، وكذلك مع مستشار رئيس الولايات المتحدة للأمن القومي، جون بولتون. تغطي هذه المقترحات مجال الاستقرار الاستراتيجي، ومجال التعاون الاقتصادي والتجاري، والاستثماري، ومجال التفاعل بين العلماء السياسيين، وخبراء المجتمع المدني، بشأن القضايا المهمة للعلاقات بين موسكو وواشنطن. لدينا العديد من المصالح المشتركة في العالم، والعديد من الالتزامات المشتركة، بما في ذلك، كما قلت، في صيانة السلام والأمن الدوليين. مما لا شك فيه، وإذا تحققت القدرات، الموجودة في التجارة، وفي الاقتصاد، وفي المجال الإنساني ككل، فإنها ستفيد شعوبنا، والمجتمع الدولي بأسره.

للأسف أنت على حق تماما. على الرغم من النوايا التي أكدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأعضاء فريقه الرئيسيون، لتطبيع العلاقات مع روسيا، لم يحدث شيء إيجابي على المستوى العملي. تبقى الدينامية " هابطة" تمامًا. ويواصل زملاؤنا الأمريكيون فرض عقوبات من جانب واحد، حتى دون أن يكلفوا أنفسهم عناء تقديم أي حجج، من دون سبب، وهذا يتناقض مع الموقف الذي يتخذه رئيس الولايات المتحدة باستمرار.

من الواضح أيضًا كما قلت بشكل صحيح أن العلاقات مع روسيا أصبحت رهينة للتناقضات الداخلية بين الأحزاب الأمريكية. الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما ، الذي افرغ، إلى حد كبير، غضبه لفوز المرشح الجمهوري، وليس الحزب الديمقراطي في الانتخابات بما يتماشى تمامًا مع النظام الانتخابي الأمريكي، قرر وهو يغادر منصبه، إغلاق الباب وتخريب أو تقويض بصورة شديدة، الآليات والقنوات الرئيسية للتفاعل بين موسكو وواشنطن، والتي تم إنشاؤها من قبل أسلافه، وهو نفسه في المرحلة الأولى من رئاسته. ان غضب الذين يحاولون الآن اتهام الإدارة الأمريكية بعلاقات سرية مع روسيا، وكيف يحاولون إيجاد أسباب لبدء عملية عزل دولاند ترامب، يدل على أنه على الرغم من الاستنتاجات السلبية التي قدمتها لجنة مولر، فإن الديمقراطيين لم يتخلوا عن لعب البطاقة الروسية، والآن إذ باشروا هذه الأيام في الحملة الانتخابية الجديدة، والتحضير للانتخابات الرئاسية في عام 2020

إنه لأمر محزن ومؤسف. نحن دائما على استعداد لاستئناف هذه العلاقات في تلك الأشكال التي من المريح للولايات المتحدة القيام به في هذه المرحلة. وأود الإشارة على الأقل، يستأنف حوار مكافحة الإرهاب بطريقة ما. لقد اقترحنا منذ فترة بعيدة بدء حوار مع الأمريكيون الأمن السيبراني، بالنظر إلى أن عدد الخرافات تتراكم في هذا المجال بشكل لم يسبق له مثيل. ولكن حتى الآن لا يوجد رد فعل واضح. ومن الجيد أن تتطور العلاقات الإنسانية : "حوار فورت روس"، في كاليفورنيا، الذي يهدف إلى تعزيز ذاكرة تاريخنا المشترك، عندما ساعد المهاجرون الروس بتطوير هذا الجزء من الولايات المتحدة الحديثة. فيما يتعلق بالاستقرار الاستراتيجي (وربما هذا هو الموضوع الأكثر أهمية)، فباستثناء الاتصالات العرضية وغير المنتظمة إلى حد ما، لم يتم إقامة حوار مستقر. وهذا هو الشيء الأكثر أهمية الآن.

سؤال: في الأول من أكتوبر من هذا العام ، ستحتفل جمهورية الصين الشعبية بعيدها السبعين. أود أن أوضح: بعض المتشككين يعتقدون أن الصين الحديثة تلعب دور الأخ الأكبر لروسيا. ما مدى صحة استخدام هذه المقولات في العلاقات الدولية، وفي العلاقات بين بكين وموسكو؟

لافروف: أعتقد من الخطأ وصف العلاقات بين روسيا والصين بمثل هذه المقولات، وعلى العموم العلاقات بين أي دولتين، على الأقل العلاقات التي تشارك فيها روسيا . لقد أكدنا مرارًا وتكرارًا في وثائق مذاهبنا، وفي الممارسة العملية، إننا نؤيد العلاقات بين الدول ذات السيادة، التي تقوم على المنفعة المتبادلة، لن تكون فيها إملاءات من طرف واحد، بصرف النظر عما إذا كانت هذه جمهورية الصين الشعبية أو بلد صغير.
هناك دائمًا رغبة في الحصول على بعض الفوائد، ولكن إذا كنت ترغب في الحصول على هذه الفائدة من خلال علاقة مع شريك، فيجب أن تفهم ما يمكنك إعطاؤه بالمقابل. وهنا يجري بالفعل بناء حلول وسط، والسعي إلى توافق الآراء. وهكذا بالضبط تتطور علاقاتنا مع جمهورية الصين الشعبية. إنها بلغت مستوى استراتيجي غير مسبوق. هذه علاقة شراكة متعددة الأوجه، وتفاعل استراتيجي. طبيعتها ذات المنفعة المتبادلة ليست فقط منصوص عليها في العديد من الاتفاقات وغيرها من الوثائق، ولكن أيضا تنفذ باستمرار في الممارسة. وأكرر أن هذه المبادئ ذاتها تكمن في أساس سياسة الصين الخارجية. ومن بين القوى النووية ، تعد روسيا والصين ـ من بين المبادرين للدفاع عن المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة. هذه الحركة تكتسب قوة. وسنواصل دعمها بنشاط. ويبدو لي أن مؤسساتنا، والمواطنين، والشركات، والكيانات الخاصة التي تشارك في التعاون مع جمهورية الصين الشعبية تحصل على المنفعة بوضوح من ذلك، تمامًا كما يحصل على المنفعة المشاركون الصينيون في مثل هذه العمليات.